فرصة النرجسية وضياع المال في الملتقيات العلمية الجزائرية (2)

إنني في هذه اللحظات أعود من اللقطة الشاملة إلى استخدام الزووم وسأتكلم هنا عن ملتقى حضرته وكنت عضوا فاعلا فيه في التنظيم وفي التنشيط.
      الملتقى يدور حول الصحافة ومن المفروض أن يدوم لثلاثة أيام، سعدت كثيرا لحظتها لأن الموضوع يهمني كثيرا وقلت بيني وبين نفسي أن الموضوع سيتم تشريحه وسيتم التطرق إلى مختلف جوانبه وبقيت مستغربة ثلاثة أيام كاملة..
    سآخذكم خلسة معي إلى القاعة التي كنت اجتمع فيها مع الزملاء المنظمين للملتقى ونحن نحمل كاميراتنا التي لا تلتقط إلاّ الأمور الشاذة بدأ النقاش حول التنظيم:عنوان الملتقى واضح ولا يلزمه إعلانات ولا لافتات كثيرة حتى يلفت الانتباه بصراحة كان مهما جدا؟  قلت إذن.. الموضوع قد تم تحديده والضيوف تم تعيينهم والحديث في هذا الموضوع لم يدم أكثر من خمس دقائق ثم انتقلنا إلى موضوع أقل أهمية...عفوا اقصد أكثر المواضيع أهمية بل انه عصب الرحى في كل الملتقيات المنظمة في الجزائر..كم من وجبة غداء دفع ثمنها وفي أي المطاعم التي يجب أن تكون فخمة وكم من محفظة تم شراؤها إلى جانب الأقلام والشهادات والمذكرات وغيرها ثم احتدم النقاش حول الموضوع من سيأخذ محفظة ومن سيتناول الغذاء و..و..و..
    قلت في نفسي لحظتها إنها أمور تنظيمية لابد منها لكنني في نفس الوقت عدلت عن الفكرة عندما أحسست أننا نقوم بتنظيم حفل زفاف ونؤكد على الوجبات التي ستقدم للضيوف ولم يكن الموضوع مختلفا كثيرا عن مشاركتي في تنظيم حفل زفاف أحد قريباتي، وانغمس الجميع يتكلم ويتكلم وضاع الاجتماع بين كم من وجبة ستقدم وكم من محفظة وكم من قلم...وتناسى الجميع العروس وأي ثوب ستخرج به أمام الحضور وهو موضوع الملتقى من المفروض...ربما كلنا في هذه اللحظات قد بدأنا نحس بعزيمة لا متناهية ولو أعطينا لأنفسنا الفرصة للحظات لقلنا بصوت واحد ومع الأستاذ طبعا "نعم للانتحار الجماعي..."وأعود واذكر لم احضر ما حضره الأستاذ من ملتقيات لكن ليس بعد فالانتحار ليس بالهين ويجب أن نضع له أسسا أقوى ونلتمس لأنفسنا من عذر.
تمت برمجتي كمنشطة للملتقى الذي من المفروض أن يدوم ثلاثة أيام ثم فجأة تحول إلى يومين لأن اليوم الأول خاص باستقبال الضيوف، إذن حذفت مجبرة اليوم الأول وأدركت أن موضوع الملتقى لن يدخل غرفة العمليات في اليوم الأول، ثم سألت ببراءة عن اليوم الثاني فعلمت انه تم تنظيم رحلة للضيوف القادمين من مختلف ولايات الوطن إلى العديد من المعالم الأثرية بباتنة، ولم يبق في حوزتي سوى يوم واحد ليتحول الملتقى إلى يوم دراسي فقط، تم تحديد بقية الأيام مجاملة للضيوف ومصاريف زائدة كان بالإمكان أن تفتح مشروعا لشاب بطال...
    يوم الملتقى...جاء الموعد أخيرا وكنت مستعدة جدا فالموضوع يمسني بالدرجة الأولى كصحافية، استلمت البرنامج ظننت في البداية أن هنالك خطأ ما في الموضوع أو في الترتيب أو ربما هناك من عدل فيه فوضع هذا في مكان الآخر، لكن لا ليس هناك خطأ أبدا والبرنامج كالآتي: النشيد الوطني، ثم كلمة السيد فلان وعلان وكلمة آخر ثم كلمة والي الولاية ليعلن عن الافتتاح الرسمي للملتقى أو يعلن بداية بث الروح في الملتقى الذي لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يبدأ الحياة، تأملت لحظتها وجوه الحضور الذين لا يتجاوز عددهم عدد المنظمين، تأملت وجوه المنظمين الشاحبة والمتعبة من عناءات التنظيم.
    أحسست أن بعض الحضور قد بدأ يتنفس الصعداء بعد أن أنهكه سماع فلان وفلان ولابد أن الكثير ممن يحضرون هم مثلي أحبوا عنوان الملتقى وظنوا أنهم سيستفيدون الكثير ومازالوا ينتظرون مثلما انتظرت أنا قبل أن احمل برنامج الملتقى عفوا اليوم الدراسي..بين يدي..ثم فترت حماستي اللامتناهية..
جاء دوري بعد الإعلان عن الافتتاح الرسمي..وبدأ الحاضرون ينتظرون أن أنادي على الأساتذة الذين سيقومون بإثراء الموضوع لكنني كنت مجبرة –صدقوني أن الجهة المنظمة أبت إلا أن تكرم الذين ساهموا في إنجاح الملتقى ..وأشير بأن الملتقى الذي حكم عليه بالنجاح لم يبدأ بعد ولم يتم للآن الاستماع للمداخلة الأولى وبدأت التكريمات تكريم فلان الفلاني والتكريم الأخر يتسلمه نيابة عنه علان وغيرها.ولا أخفيكم أنني تلقيت شيئا ما يشبه التهديد إذا ما ناديت على شخص قبل آخر أو أنني طلبت من أخر أن يقدم التكريم لشخصية مرموقة وغيرها من البروتوكولات المملة والتي أخذتنا بعيدا عن الملتقى الذي تحول فجأة إلى حفل تكريم، ولست ألوم المنظمين لأنه بالنسبة إليهم الملتقى نجح لان وجبات الغداء كانت كافية والمحافظ بقي منها عدد قليل سيغلقون به أفواه الصحافيين حتى لا يكتبوا عكس ما يأملون منهم.بعد التكريم لا تستعجلوا الأمر فقد تم تنظيم فترة راحة أيضا قدمت خلالها المشروبات والشاي وغيرها ثم عدنا بعد ذلك وسمعنا لثلاثة مداخلات ثم مناقشات لم يكفي الوقت لسماعها كلها وطبعا تعلمون مثلما اعلم ابن ضاع كل الوقت، إنني بعد ذلك اليوم المتعب أحسست برغبة في البكاء على نفسي لأنني فكرت في لحظة بان هذا الرجل صاحب الرأس الكبير وهو عنوان الملتقى والجسم النحيف جدا والمنهك القوى ستشبعه المداخلات فيسترد عافيته ويحصل على جسد متكامل ويستفيد منه الجميع لكن المداخلات لم تشبعه بقدر ما زادته ساعات التكريمات الطوال شحابة في وجهه واصفرارا.
     لحظة زملائي هو ثاني ملتقى أو ربما ثالث ملتقى أحضره وأدخل كواليسه والأستاذ حضر أكثر من ذلك وصراحة أمنت فعلا مثلما أرى الآن في عيونكم عزيمة الانتحار الجماعي المنظم.
     قد أسألكم في هذه اللحظات بأي طريقة تودون الانتحار قد يجيب أحدكم نضع أيدينا بأيد بعضنا ونرمي بأنفسنا من علو قاتل وقد يرى البعض أن نبتلع مائة حبة دواء وقد يجيب أحدنا ممن يملك زادا اكبر من الصبر دعونا نحضر عشرة ملتقيات متتالية بدلا من ألف حبة دواء مميت ولابد أننا سنعجل بموتنا وقد يختار بعضنا ممن لديه شجاعة اكبر الانتحار شنقا لكن البعض اتجه للتفكير هل سنعلم الصحافة بأمر انتحارنا فربما يكون خطوة أولى للتغيير... أو قد لا نعلم الصحافة بسبب الانتحار ونتفاءل للحظة ولو لأول مرة قبل رحيلنا الأبدي ونتخيل بأن صحافتنا قد تحولت إلى صحافة مثلما صحافة الغرب تقود التحقيقات وتسعى إلى التغيير فتبدأ بالبحث عن أسباب الانتحار خيطا خيطا إلى أن تصل للحقيقة وبالتالي نستفيد بأنها ستصل لأكثر من سبب لانتحارنا لكن صحافتنا للأسف ليست كذلك ولن تبحث أبدا..فقط ستكتفي بالتهويل والمبالغة وقد تكتب في صفحتها الأولى العنوان: أستاذ الدراسات العليا ينتحر رفقة طلبته 15 في قسم الإعلام وتكتب عنوان إشارة: بعد أن تلقى تهديدات عقب تصريحاته الأخيرة في احد الملتقيات قائلا: صرفتم أموالا على أشخاص قالوا آي كلام وقد يمتد الحديث عن الانتحار وقد تتحول الأسباب إلى أسباب أمنية وتهديدات ثم إرغام وقد نتحول إلى مدمني مخدرات وقد..وقد.. وهي مهنة صحافتنا العريقة اليوم.
     إذا الأستاذ قرر ونحن كذلك ولابد بأن الأفكار أخذتنا بعيدا إلى أساليب الانتحار التي يمكن أن نستفيد منها من خلال احد المواقع الالكترونية، لكن مهلا فالحقيقة أنها لا  تعنينا في شيء فالانتحار الجماعي الذي يقصده الأستاذ ليس بالضرورة أن نضع أيدينا بأيد يعضنا ونسأل الله أن يسامحنا لأننا مجبرين لا مخيرين ثم نضع حدا لحياتنا، إن فكرة الانتحار هذه يقصد منها الأستاذ أن نجمع حقائب أفكارنا الشاذة ونمضي بها بعيدا عن أحلامنا الغبية في التغيير أن الانتحار يعني أن نلقن أفكارنا ورغبتنا الجامحة في التغيير الشهادتين ونواريها الثرى ونقبل بكل ما نراه ..نحضر الملتقيات ننام فيها أو نخطط لحياتنا وعندما نستفيق على التصفيق  نبتسم إذا ابتسم الجميع أو نتجهم إذا تجهموا.
       إننا نعلم جيدا أننا بإذن الله في أول الركب وإذا جعلنا البعض نتأخر في الوصول فإن وصولنا سيكون أقوى بإذن الله قد نضحك على كل ما قلناه ونسخر ولكن الحقيقة انه ليس كل ما يضحك مسلي دائما فأحيانا تتنكر خيباتنا في هيئة نكتة مثلما قالت إحدى الكاتبات واعذروني زملائي إن قلت لكم وأنا المؤيدة الأولى لفكرة الانتحار الجماعي بان أفكارنا إن تركناها تقتل نفسها بنفسها فلا بد أن تعود في هيئة أخرى أقوى ولابد أن نغير لأنه هناك من يستحقون الثناء والتقدير مثل أستاذنا يؤمنون جدا بالتغيير وان كان الإحباط قد نال منهم للحظات من فرط ما يشاهدون بأم أعينهم ولفترات متقاربة لم تكفي لان تعالج الجرح الأول حتى زادته عوارض أخرى عمقا وألما وسأكتفي بالقول إذا كرهت الدنيا بسبب شخص واحد فأنت كالذي احرق بيته ليتخلص من حشرة.
مريم نريمان

0 التعليقات:

إرسال تعليق