مذكرات طفلة "الرومانسية الصامتة "


    وأنا أبحث بين بعض مذكراتي الطفولية عثرت على هذا النص الذي أضحكني وأبكاني؛ أضحكني حال هذه الفتاة التي تمنح الورقة كل هذه الثقة وتكتب كل ما يجول في خاطرها دون أن يهمها أحد..وتسعد كثيرا بما كتبت ... وأبكاني حال هذه الفتاة الصغيرة التي تروي حزنها أيام غياب والدها ونومه في المستشفى..

أذكر أن والدي رحمه الله وبعد خروجه من المستشفى قرأ هذا النص واغرورقت عيناه لحظتها ..تلك الصورة بكل تفاصيلها لا تزال مرتسمة في ذهني ..رحمك الله يا أبي 

عنوان النص: الرومانسية الصامتة
 كانت السماء حزينة رومانسية لونها رمادي مختلط مع البنفسجي يميل إلى الوردي ..كان جوا رومانسيا..!
   كانت ليلة ذلك اليوم مقمرة يتلألأ القمر في منتصف السماء يلمع ويخفت؛ وكان الجو يلبس حلة العام الجديد كانت لحظات الوداع حارة وكان القمر يطل بحذر وكأنه يخشى المارة، ..كانت أمطار ديسمبر تتساقط وهي تودعنا وتسقي القلوب العليلة في آخر يوم من السنة.. ..إنه آخر يوم من طفولتها ..جلست تتأمل السماء والنجوم الحزينة ..كان الشجون يعتصر شغاف قلبها والأسى بفؤادها يحيك هموما ومعاناة ويعزف على أوتار قلبها سنفونية الرومانسية الصامتة ..كان سكان الحي بديارهم يحتفلون بقدوم العام الجديد ولكنها كانت تحتفل مع دموعها التي لم تجد من يمسحها فلا يمسحها إلا من يفهمها ..ولكن من يفهمها !!
   لقد حذرها الكثيرون من صدمات الحياة ولكنها ظنت أن الحياة لعبة في أيدي القدر وإذا صادقت القدر تفادت الصدمات ..لم يكن ظنها أبدا في محله فالصدمات في حياتها كثيرة ولكن السبب الوحيد لإيمانها هذا أنها لم تفهم صدمة الحياة على حقيقتها فقد كانت صاحبة قلب طفولي وكانت الصغيرة في أعين الكثيرين..كانت تودع العام بحزن ووهن وكانت تخاف من الغد ..كانت ترجو وتخاطب حلمها الوردي متى ستتحقق متى ؟
  هكذا طرق الليل الأخير من عام ألفين بابها يحمل في راحتيه عبرات وشجون حير قلبها ..  كانت لا تدري لم كل هذا ؟ مر العام بسرعة وودعها بعد أن حمل لها في كل دقيقة حزنا وفي كل ثانية ألما وأنشدت فيه تقول " آه يئست يئست من هذه الحياة ، كانت تتشاءم اليوم وربما تتفاءل وتبكي الغد الذي أصبحت تخافه فهي لا تدري ماذا يخفي لها في طياته، كانت تخشى قدوم هذه الليلة "ليلة الأول من يناير" فقد أمضتها بدموع بللت وسادتها ونامت عليها ..نامت على الدموع ..أمضت الليلة مع قلبها سجينة الأحزان ..
   وفي ليلة الأول من يناير اشتاقت للمسة حنين ..اشتاقت لحنان والدها الذي فارق البيت لمدة تقارب الأسبوعين ..فكانت هذه الليلة محكمة للقدر شهدت فيها النجوم على حزنها وشهد القمر على أساها وألمها كانت تحس بإحساس غريب في داخلها حرب، ألم لا تدري ما هو ؟
كانت بين اللحظة والأخرى تفكر في والدها الذي يمضي الليلة وحيدا بالمستشفى فلقد رأت على غرار كل الناس دمعة تسايلت من عينيه رأت قطرة دم اعتصرت من فؤاده ..لم يرى هذا أحد إلا قلبها هو الذي رآه وأحس به، كان والدها بين أربعة جدران يجالس المرض في المستشفى إنه في يومه التاسع لم تجد ما تفعل فرفعت القلم وكتبت على لسان قلمها رسالة إلى والدها تقول فيها "اشتقت إليك عد بسرعة " راجية أن يقضي ليلته مع تلك البطاقة ..أهدت الجميع قلبها وبقيت دون قلب تبحث عمن يهديها قلبه..وبينما كان الناس يحتفلون؛ كانت تحتفل مجالسة الوحدة والعبرات أمضت ليلتها وحيدة لم تعرف سوى البكاء فرفعت قلمها الذي لم تجد غيره بين ناظريها وكتبت كل شعورها هذا في قصة أسمتها الرومانسية الصامتة تقول في نهايتها " الوداع يا مطر ديسمبر ..الوداع يا عام ألفين هكذا أمضت ليلتها الأخيرة من عام 2000 واستقبلت عام 2001 بنار شوق تحرق قلبها وتسلب البسمة من شفتيها ولكنها ظلت تردد بدموعها " عد الينا يا أبي بسرعة اشتقت إليك ..عد إلينا نحن ننتظرك !!
مريم نريمان الصغيرة 

2 التعليقات:

إرسال تعليق